فخر الدين الرازي
310
تفسير الرازي
سورة الصف أربع عشرة آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ) * . وجه التعلق بما قبلها هو أن في تلك السورة بيان الخروج جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاته بقوله : * ( إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي ) * ( الممتحنة : 1 ) وفي هذه السورة بيان ما يحمل أهل الإيمان ويحثهم على الجهاد بقوله تعالى : * ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ) * ( الصف : 4 ) وأما الأول بالآخر ، فكأنه قال : إن كان الكفرة بجهلهم يصفون لحضرتنا المقدسة بما لا يليق بالحضرة ، فقد كانت الملائكة وغيرهم من الإنس والجن يسبحون لحضرتنا ، كما قال : * ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) * أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض و * ( العزيز ) * من عز إذا غلب ، وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ذلك الغير ، ولا يمكن أن يغلب عليه غيره و * ( الحكيم ) * من حكم على الشيء إذا قضى عليه ، وهو الذي يحكم على غيره ، أي شيء كان ذلك الغير ، ولا يمكن أن يحكم عليه غيره ، فقوله : * ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) * يدل على الربوبية والوحدانية إذن ، ثم إنه تعالى قال في البعض من السور : * ( سبح لله ) * ( الحديد : 1 ، الحشر : 1 ) ، وفي البعض : * ( يسبح ) * ( الجمعة : 1 ، التغابن : 1 ) ، وفي البعض : * ( سبح ) * ( الأعلى : 1 ) بصيغة الأمر ، ليعلم أن تسبيح حضرة الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان ، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان ، والأمر يدل عليه في الحال ، وقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ) * منهم من قال : هذه الآية في حق جماعة من المؤمنين ، وهم الذين أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى الله ، فأنزل الله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ) * ( الصف : 10 ) الآية و * ( إن الله يحب الذين يقاتلون ) * ( الصف : 4 ) فأحبوا الحياة وتولوا يوم أحد فأنزل الله تعالى : * ( لم تقولون مالا تفعلون ) * وقيل في حق من يقول : قاتلت ولم يقاتل ، وطعنت ولم يطعن ، وفعلت ولم يفعل ، وقيل :